القاضي التنوخي
391
الفرج بعد الشدة
ذلك منه ، وأشهدت عليه الرّجل ، وصديقي ، أنّ الرهن عندي إلى أجل ، فإن حلّ الأجل ولم يعطني ، فقد وكّلني في بيعه ، وقبض مالي من ثمنه ، فخرجنا ، وقد أجاب إلى ذلك . فلمّا بلغنا مسجد الخيّاط ، قلت له : قد ردّ اللّه تعالى عليّ هذا المال بسببك ، فأحبّ أن تأخذ منه ما أحببت ، بطيبة من قلبي . فقال : ما أسرع ما كافأتني على الجميل بالقبيح ، انصرف ، بارك اللّه لك في مالك . فقلت : قد بقيت لي حاجة . قال : قل . قلت : تخبرني عن سبب طاعته لك ، مع تهاونه بأكثر أهل الدولة . فقال : قد بلغت مرادك ، فلا تقطعني عن شغلي ، وما أعيش به . فألححت عليه ، فقال : أنا رجل أصلّي بالنّاس في هذا المسجد ، وأقرئ القرآن ، منذ أربعين سنة ، ومعاشي من هذه الخياطة ، لا أعرف غيرها . وكنت منذ دهر ، قد صلّيت المغرب ، وخرجت أريد منزلي ، فاجتزت بتركيّ كان في هذه الدار ، وامرأة جميلة مجتازة ، وقد تعلّق بها وهو سكران ، ليدخلها داره ، وهي ممتنعة تستغيث ، وليس من أحد يغيثها ، أو يمنعه منها ، وتقول في جملة كلامها : إنّ زوجي قد حلّف عليّ بالطلاق ، أن لا أبيت برّا « 5 » ، فإن بيّتني ، خرب بيتي ، مع ما يرتكبه منّي من الفاحشة . قال : فرفقت به وسألته تركها ، فضرب رأسي بدبّوس « 6 » كان في يده ،
--> ( 5 ) برّا : تعبير بغدادي ، يراد به ما كان خارجا ، فيقال : برّا البيت ، أي في خارجه ، ويقابله تعبير بغدادي آخر هو : جوّا ، أي ما كان داخله ، فيقال : جوّا البيت ، أي في داخله . ( 6 ) الدبّوس : مقمحة أو عصا من الحديد أو الخشب ، في رأسها شيء كالكرة ( المنجد ) ، أقول : البغداديّون الآن ، يسمّون العصا الصلبة ، إذا كان في رأسها كرة من القير : مگوار ، أو مگيار ، نسبة للگير